مصر
  • 29℃ القاهرة, مصر

رئيس مجلس الإدارة

طارق لطفى

رئيس التحرير

أحمد سليمان

الصين وإيران.. من الحرب الخفية إلى الدعم العلني،،!!

 


لم يعد الصراع بين الولايات المتحدة والصين يقتصر على تايوان أو بحر الصين الجنوبي أو الحرب التجارية، بل امتد إلى الشرق الأوسط حيث أصبحت إيران إحدى أهم ساحات المنافسة الجيوسياسية بين القوتين الكبيرتين.
وجاء الموقف الصيني الرافض للمزاعم الأمريكية بشأن وقف بيع الأسلحة لإيران، مع التأكيد على دعم بكين لطهران في حماية سيادتها وأمنها وكرامتها، ليؤكد أن العلاقات الصينية الإيرانية دخلت مرحلة جديدة انتقلت فيها من الدبلوماسية الهادئة إلى رسائل سياسية أكثر وضوحًا في مواجهة الضغوط الأمريكية.
السؤال لم يعد هل تدعم الصين إيران، بل لماذا اختارت بكين إعلان موقفها في هذا التوقيت.
الإجابة ترتبط بطبيعة الصراع الدائر على قيادة النظام الدولي. فالولايات المتحدة تسعى إلى احتواء النفوذ الصيني على امتداد آسيا والشرق الأوسط، بينما ترى بكين أن أمن الطاقة جزء لا يتجزأ من أمنها القومي، وأن إيران تمثل حلقة استراتيجية في مشروع الحزام والطريق، كما تمثل بوابة مهمة إلى الخليج وآسيا الوسطى.
وعلى مدار سنوات، حرصت الصين على اتباع سياسة التوازن، فلم تدخل في مواجهة مباشرة مع واشنطن، لكنها في الوقت نفسه لم تتخل عن شراكتها مع إيران، واستمرت في تعزيز التعاون الاقتصادي والاستراتيجي معها رغم العقوبات الغربية.
غير أن التطورات العسكرية الأخيرة فرضت واقعًا جديدًا. فقد أدركت بكين أن إضعاف إيران بصورة كبيرة سيؤثر في توازنات الشرق الأوسط ويهدد مصالحها الاقتصادية وخطوط إمداد الطاقة، لذلك جاء الموقف الصيني أكثر وضوحًا في الدفاع عن سيادة إيران ووحدة أراضيها.
وفي المقابل، تنظر واشنطن إلى أي تقارب صيني إيراني باعتباره تحديًا مباشرًا لاستراتيجيتها العالمية، خاصة إذا تطور هذا التعاون إلى مجالات التكنولوجيا أو الصناعات العسكرية أو تبادل المعلومات الاستخباراتية.
الحرب الدائرة اليوم لم تعد مجرد خلاف حول الملف النووي الإيراني، بل أصبحت جزءًا من صراع أوسع بين مشروعين دوليين، الأول تقوده الولايات المتحدة للحفاظ على النظام الدولي القائم، والثاني تقوده الصين لإقامة نظام متعدد الأقطاب يمنح القوى الصاعدة مساحة أكبر في صناعة القرار الدولي.
ومن هذا المنطلق، فإن دعم الصين لإيران لا يقوم على اعتبارات أيديولوجية، وإنما على حسابات جيوسياسية تتعلق بحماية مصالحها الاستراتيجية وتأمين احتياجاتها من الطاقة ومنع الولايات المتحدة من الانفراد بإدارة توازنات الشرق الأوسط.
ومن المرجح أن تستمر بكين في سياسة الدعم المحسوب، بحيث توفر لإيران غطاءً سياسيًا واقتصاديًا وتقنيًا، مع تجنب الانزلاق إلى مواجهة عسكرية مباشرة مع الولايات المتحدة، إدراكًا منها أن الصراع الحقيقي يدور على موازين القوة العالمية وليس داخل الأراضي الإيرانية وحدها.
ولا يمكن قراءة الموقف الصيني من إيران بمعزل عن تايوان وبحر الصين الجنوبي. فبكين تدرك أن أي نجاح أمريكي في إعادة رسم خرائط النفوذ في الشرق الأوسط سيمنح واشنطن قدرة أكبر على التفرغ لاحتواء الصين في شرق آسيا. وفي المقابل، ترى الولايات المتحدة أن تقوية العلاقات الصينية الإيرانية تعني فتح جبهة استنزاف جديدة تقلص من قدرتها على فرض إرادتها الدولية.
لذلك فإن ما يجري اليوم ليس مجرد تقارب بين بكين وطهران، بل هو جزء من معركة كبرى لإعادة تشكيل ميزان القوى العالمي. فإيران بالنسبة للصين ليست حليفًا تقليديًا فحسب، بل تمثل عقدة جيوسياسية تربط الخليج بآسيا الوسطى والمحيط الهندي، وتمثل أحد مفاتيح أمن الطاقة الصيني. أما بالنسبة لواشنطن، فإن الحد من النفوذ الإيراني أصبح جزءًا من استراتيجية أوسع تستهدف في الوقت نفسه روسيا والصين.
وهكذا تتحول إيران من دولة تواجه عقوبات وصراعًا إقليميًا إلى ساحة اختبار للنظام الدولي الجديد. وإذا استمرت المواجهة بين واشنطن وبكين بالوتيرة الحالية، فإن السنوات المقبلة قد تشهد انتقال العلاقات الصينية الإيرانية من مستوى الشراكة الاستراتيجية إلى مستوى أكثر عمقًا وتأثيرًا، بما يعيد رسم خريطة التحالفات الدولية ويؤسس لمرحلة جديدة من الحرب الباردة، ولكن بأدوات القرن الحادي والعشرين.،،،!!